بطريرك الروم الأرثوذكس ثيودوروس الثاني يدعو إلى عدم السماح للبعض أن يستغل الشعور بالظلم الناجم عن الفقر لتكريس العنف ضد الأقليات.

العرب / محمد وديع [نُشر في 16/04/2015، العدد: 9889، ص(13)

  g a n 35

ليس من الصعوبة توفير الأمن والأمان للأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، على الرغم من تصاعد حدة العنف والقتل من قبل تنظيم داعش والتنظيمات الأخرى التي تمارس الإرهاب في المنطقة. فعدة عوامل ساهمت في تصاعد تهديد وجود المسيحيين في الشرق العربي أهمها تجاهل المجتمع الدولي لمعاناة المسيحيين والأقليات في المنطقة، وتفشي الفقر والبطالة والجهل. هكذا تحدث بطريرك الروم الأرثوذكس بالإسكندرية وعموم أفريقيا ثيودوروس الثاني في حواره لـ”العرب”.

أوضح بطريرك الروم الأرثوذكس بالإسكندرية ثيودوروس الثاني في حوار خاص مع “العرب” أن تخليص المنطقة من الإرهاب وإنقاذ المسيحيين والأقليات من المظلمة التاريخية التي يتعرضون لها، يمكن أن يتحقق من خلال عدم السماح للتعصب الديني أن يتمدد، ومنع استغلال الشعور بالظلم الذي بدأ يسود لدى البعض، بسبب انتفاء الأخلاق السائدة في مجالي السياسة والاقتصاد من قبل الدول الكبرى ضد شعوب المنطقة، ناهيك عن فساد العلاقات الاجتماعية في بعض الدول العربية.

وأضاف البطريرك أن الغالبية العظمى من المسلمين تمقت التعصب، الذي يروج له باسم الدين، استنادا لنصوص محرفة ومفاهيم خاطئة لصحيح الدين الإسلامي، مشددا على أن شعوب المنطقة تكره بشدة السياسات التي يتخذها صناع القرار في كثير من الدول الكبرى حيال المنطقة، والتي تأتي غالبا على حساب مصالح شعوب دولها.

وقال البطريرك ثيودوروس الثاني “إلى يومنا هذا لا تزال مجتمعات أفريقيا والشرق الأوسط تعلق بذاكرتها التاريخية التجارب المؤلمة التي عاشتها”. وقد أعرب عن إحساسه بخيبة أمل لرؤية الاستعمار القديم يعود مرة أخرى، وقد تحول من الاحتلال العسكري إلى الاحتلال الاقتصادي.

وطالب بضرورة التفرقة بين الإسلام والأصولية الإسلامية، فالإسلام عقيدة وممارسة دينية له كل الاحترام، أما الأصولية فهي مفهوم يكرس التفوق الديني بممارسات تقوض التسامح والحق في الاختلاف، وكلها مدانة تماما.

ناشد البطريرك، الذي درج على لقاء الكثير من زعماء العالم وقيادات الدول، عدم السماح للبعض أن يستغل الشعور بالظلم الناجم عن الفقر لتكريس العنف ضد الأقليات، مشيرا إلى أهمية إعادة الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي لدول الشرق الأوسط.

وأوضح البطريرك ثيودوروس الثاني أن الشرق الأوسط بأكمله يعاني من الإرهاب، لأن من كانوا يتحكمون في هذه المنطقة، ذات القيمة الجيو-سياسية الضخمة، لم يهتموا بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين أو يراعوا مصالحهم، وضحوا بالتناغم الاجتماعي على مذبح الطائفية تطبيقا لأسلوب “فرق تسد”، حتى يتمكـنوا من السيطرة على مقاليد الأمور.

وركز البطريرك على تجاهل المجتمع الدولي، وقال أنه تناسى مشكلات المنطقة، وألقاها خارج ذاكرة التاريخ دون اكتراث، والخطر الذي تحمله الأفكار الظلامية والعمليات الجهادية داخل المجتمعات الغربية المتقدمة، دفع بعض القوى الكبرى لمواجهة الإرهابيين الآن، لافتا إلى أن القضاء على المشكلة لن يكون إلا بالضرب بيد من حديد على منبع كل الشرور وهو البؤس البشري والفكري.

ونوه ثيودوروس الثاني إلى أن حادث مقتل 21 مصريا في ليبيا على يد تنظيم داعش قبل حوالي شهرين، كان أبشع تعبير مأساوي وغير إنساني لعدم التسامح المتزايد ضد الآخر، مؤكدا إعلانه في حينه وكنيسة الروم الأرثوذكس إدانة هذه الجريمة البشعة، التي كشفت حجم اليأس الذي أصاب أصحاب الفكر المحرض على العنف. وأعرب عن تعازيه الدائمة لقيادات الكنيسة القبطية في مصر، وصلاته المستمرة لأن يسكن الرب الرحيم النعيم الأبدي للذين استشهدوا في سبيل إيمانهم.

وعن علاقة كنيسة الروم الأرثوذكس بمصر، وسط كل هذه التحديات التي تشهدها المنطقة، أكد البطريرك أن مصر هي مقر كنيسة الروم الأرثوذكس في أفريقيا لأكثر من ألفي عام، والعلاقات بين البطريركية وجميع أطياف المجتمع المصري ممتازة، وتستند على احترام التنوع الديني والرغبة المشتركة في التعايش السلمي بين الناس، بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللغة أو التراث الثقافي. كشف البطريرك أن دير “مار جرجس″ التاريخي والذي يعود إنشاؤه لأكثر من ألفي عام، يقف شاهدا وسط القاهرة كرمز تاريخي للصداقة بين مصر واليونان، ودليل على التسامح الذي عاشه الشرق.

تأسس الدير في القرون الأولى للمسيحية فوق جزء من قلعة بابليون الرومانية البيزنطية القديمة، وظل على مر القرون حصنا لكنيسة الروم الأرثوذكس في مصر، وفي كثير من الأحيان تولى تقديم خدمات قيمة للمجتمع المصري، وأنشأ مشافي صحية ودورا للمسنين وفندقا ودارا للكبار ومدرسة ومقبرة وأصبح مأوى للمسيحيين في أوقات الشدة.

كثيرون اعتبروا قصة الدير تعكس تقريبا تاريخ الحياة الرهبانية والمساهمة الاجتماعية لبطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس في مصر. وقال البطريرك إن دير “مار جرجس” لا يمثل فقط مجرد أثر تاريخي، لكنه من أهم معالم الديانة المسيحية في أفريقيا، ويأتي إليه الآلاف من المسيحيين والزائرين، طلبا للشفاعة وتحقيق الأحلام والآمال في حياة أفضل، فالقديس “مار جرجس” مشهور بالمعجزات التاريخية، ولهذا يأتي الآلاف للدير من جميع أنحاء البلاد للاحتفال بذكراه يوم 23 أبريل من كل عام.

وأعلن البطريرك أن المرحلة النهائية من أعمال ترميم دير “مار جرجس” بحي مصر القديمة وسط القاهرة قاربت على الانتهاء، وهناك إجماع على الحفاظ عليه، لأنه من المباني الأثرية الفريدة من نوعها في الشرق الأوسط.

وقد تم إنجاز المشروع بدعم مالي كبير من رجل أعمال يوناني تكفل بمعظم ميزانية التجديد لهذا الجزء المقدس من أرض مصر، وهو أحد الأماكن التي زارتها العائلة المقدسة أثناء لجوئها إلى مصر، وكان أيضا المكان الذي سجن فيه القديس مار جرجس.